الأربعاء ٢١ أبريل، ٢٠٢١

انضموا للملتقى المدرسي مع

الدكتور سلمان بن جبر آل ثاني

بعد حوالي 300 عاما من الغموض الفلكيون يحلون لغز النصف المضاء والنصف المظلم لقمر زحل “إيابيتوس”

الخميس ٠٦ ٢٠١٥

بعد حوالي 300 عاما من الغموض الفلكيون يحلون لغز النصف المضاء والنصف المظلم لقمر زحل “إيابيتوس”

pia11690

في سنة 1671م وعندما كان الفلكي الشهير “جيوفاني كاسيني” Giovanni Cassini يراقب كوكب زحل ولاحظ شيئا غريبا، وهو وجود قمر خافت عندما يكون في الجهة الغربية من كوكب زحل، وبعد أن قرر متابعة رصد هذا الجرم وجد شيء لا يصدق، فقد اصبح القمر غير مرئي من الأرض عندما يصبح في الجهة الشرقية لكوكب زحل بعد أن كان يشاهد على شكل نقطة باهته عندما يكون غربي زحل، وبعد متابعة حثيثة للفلكي كاسيني لهذا القمر الغريب لمدة 30 عاما أي حتى العام 1705م، محاولاً التعرف على الأسباب التي تجعل القمر يزيد خفوتا عندما يكون في الناحية الشرقية بمقدار ست مرات عن المكان الذي يكون في غرب زحل.
وضع كاسيني نظرية حول قمر زحل الغريب الذي يسمى “إيابيتوس” Iapetus وهي أن نصف القمر غير متناغم أو متناسق مع النصف الآخر لذلك يبدو أن نصف القمر أكثر لمعانا من النصف الآخر، كما وضع سببا آخر لحدوث هذا الاختلاف في اللمعان وهو تأثير المد الناتج عن جاذبية كوكب زحل القوية على القمر، بحيث أن النصف نفسه يواجه كوكب زحل بشكل دائم، لذلك فان معظم الوجه المقابل من القمر يكون أكثر خفوتا من حافته.
لم يتابع بعد “كاسيني” أي من علماء الفلك دراسة القمر إيابيتوس حتى بعد مرور 300 عاما، حيث شاءت الأقدار أن ترسل وكالة الفضاء الأمريكية المجس الذي يحمل اسمه “كاسيني” Cassini space probe تكريما له ليصل كوكب زحل وأقماره ويدرس القمر عن قرب سنة 2007م، لكنه لم يجد ما يثير الدهشة ولم يجد شيئا غريبا كما فسره كاسيني، فقد كان سطح القمر متناسق تماما بين نصفيه ولم يكن هنالك إختلاف مهم بينهما، كما أن التباين في اللمعان بين نصفي القمر لا يتطابق مع مداره كما اعتقد كاسيني.
الحقيقة أن هذه النتيجة زادت وعمقت من اللغز، فلماذا يظهر نصفي القمر إيابيتوس مختلفان في اللمعان؟ يقول علماء الفلك إن القمر إيابيتوس هو أبعد الأقمار الضخمة عن كوكب زحل، وتدور حول زحل بمسافة تزيد مرتين عن الأقمار القريبة الأخرى، وعلى ما يبدوا فإن ذرات الغبار المعتمة تجمعت على الطرف الرئيسي من القمر، والعملية تشبه التصاق الحشرات على الطرف الخارجي من زجاج سيارتك أو زجاج نوافذ بيتك، والحقيقة إن هذا التفسير مثير وغريب جدا أيضا لأن الأقمار الضخمة الأخرى التي تدور حول كوكب زحل بالإضافة لحلقاته لم تتعرض لمثل هذه الحالة، ومع ذلك فقد اقترب العلماء من فك اللغز.
وخارج مدار القمر يوجد قمر كوكب زحل الصغير “فوبي ” Phoebe الذي يعتقد أن كوكب زحل جذبه وأسره بعد أن كان كويكبا تابعا لحزام “حزام كايبر” Kuiper belt، والقمر فوبي يدور حول زحل باتجاه معاكس لحركة جميع الأقمار الأخرى حول زحل، وبالإضافة إلى بعده الكبير عن زحل إلا أن الأهم من ذلك فهو قمر مظلم جدا يشبه قطعة الفحم التي تسبح في الفضاء، بالإضافة لذلك تنبعث من فوبي سيل من الجسيمات لمدة طويلة جدا والتي تتحد مع الأشعة القادمة من الشمس في دفع وركل حبيبات الغبار الموجودة على سطح القمر بكل سهولة ويسر.
اكتشف العلماء حديثا وبفضل تلسكوب الفضاء “سبيتزر” Spitzer Space Telescope حقائق مثيرة جدا عن القمر فوبي فقد عمل على نشوء حلقة كبيرة Ring حول كوكب زحل بعيدة جدا ومنتشرة بشكل أوسع واقل كثافة من أي حلقة يتم اكتشافها حتى الآن، وهي حلقة متفرقة بشكل كبير بحيث أن سبع حبات غبار من الحلقة تغطي كيلومتر مكعب واحد من المادة، كما أنها ضخمة جدا بحيث تمتد بعيدا خارج مدار القمر إيابيتوس كما يدور القمر فوبي مع الحلقة الغبارية في اتجاه عقارب الساعة أي بعكس حركة أقمار زحل الأخرى ومنها إيابيتوس لذلك لا نشهد حالة الحشرات التي تلتصق بزجاج السيارة من الخارج كما كان يعتقد في السابق.
ومع مرور الوقت فإن الجسيمات القاتمة والباهتة تتجمع على طرف واحد من القمر إيابيتوس ولكنها في الواقع بداية القصة، لأن الطرف الآخر من القمر إيابيتوس لامع ومغطى بالجليد، وسيغطي جميع مادة القمر فوبي ليظهر لامعا وأبيض مشرق، ولكن ما يحدث هنا هي ظاهرة فيزيائية معروفة للجميع وهي أن السطوح السوداء تمتص حرارة أكبر من السطوح البيضاء، لذلك فلو لمست سيارة سوداء في النهار فإنها ستكون أكثر سخونة من السيارة البيضاء، وهذا هو ما يحدث تماما على القمر إيابيتوس كما أن الماء الذي يتجمع ويتجمد في المناطق اللامعة على سطح القمر لا يوجد شيء يمكن أن يوقفه، ولكن عندما يهبط على المناطق المعتمة حيث تكون الحرارة كافية لحدوث عملية “التسامي” sublimate وهي عملية تحول الجليد إلى بخار مباشرة دون المرور بالحالة السائلة، ما يجعلها قادرة على الهبوط في المناطق المعتمة بشكل دائم وبنسبة شبه ثابتة باستثناء المناطق التي لم تغطى بغبار القمر فوبي .
والنتيجة تكون تناغم وتشابه بين نصفي القمر إيابيتوس وبشكل يجعله نادرا ولا يوجد لها شبيه في المجموعة الشمسية، وهو اللغز الذي تم حله بعد حوالي 300 عاما من الاكتشاف، والفضل يعود لأحد المذنبات التي فقدت بعد أن أسرها كوكب زحل منذ فترة طويلة تقدر بمئات ملايين السنين، ومن ثم تراكم الغبار الناتج عن المذنب على سطح القمر فتغير لونه ونسبة امتصاصه لأشعة الشمس، وحافظ على وجود الغبار رغم عدم وجود الجليد، لذلك فقد كانت إرادة الله أن يكون القمر مظلما عبر تاريخ المجموعة الشمسية.

pia08375_full

image_pdfimage_print