إشارات على وجود نشاط للماء الساخن على سطح قمر زحل العملاق انسيلادوس


31-1

 

وجد علماء الفلك إشارة على وجود نشاطات حرارية مائية على سطح القمر الجليدي العملاق “انسيلادوس” Enceladus تشبه الموجودة في قلع المحيطات على كوكب الأرض، من خلال المعلومات المهمة التي قدمها مجس الفضاء الأمريكي “كاسيني” NASA’s Cassini spacecraft الذي يزور نظام كوكب زحل وأقماره لاستكشافه، ووجود هذه النشاطات خارج كوكبنا تعتبر قفزة علمية غير مسبوقة في اكتشاف وفهم المجموعة الشمسية.
وقد علق رائد الفضاء الأمريكي “جون جرانسفيلد” John Grunsfeld ومدير الرحلات العلمية التابعة لناسا في واشنطن قائلا بان هذه النتائج تضيف إلى احتمال أن القمر انسيلادوس الذي يحتوي على محيطات مائية تحت سطحه وفيه نشاط جيولوجي ملحوظ، يمكن أن يحتوي على بيئة مناسبة للحياة، وربما نجد أن البيئة المعقدة والصعبة الموجودة في نظامنا الشمسي قد تكون هي مصدر الإجابة على تساؤلات بني البشر بأننا لسنا وحدنا في الكون.
ويحدث “النشاط الحراري المائي” Hydrothermal activity عندما تتسرب مياه البحار والمحيطات إلى الخارج وتتفاعل مع القشرة الصخرية الخارجية، وتظهر الينابيع الحارة المكونة من المعادن الساخنة، وهو حدث طبيعي شائع على كوكب الأرض، ووفقا للورقتين العلميتين اللتان نشرتا هذه الدراسات، فان العلماء يعتقدون أن العلميات الجيولوجية التي تحدث في القمر انسيلادوس مشابهة لتلك التي تحدث على الأرض.
ففي الورقة الأولى المنشورة في مجلة “الطبيعة” Nature في عددها الصادر الأسبوع الحالي، إلى أن المجس كشف عن وجود حبوب مجهرية microscopic grains من الصخور بعد إجراء تحاليل مكثفة لمدة زادت على الأربع سنوات والمحاكاة بالحاسوب والتجارب العلمية، استنتج العلماء من خلالها أن هذه الحبوب المجهرية ناتجة على الأرجح من المياه الحارة التي تحتوي على المعادن المذابة في باطن القمر وخروجها إلى سطح القمر وملامستها للماء البارد، حيث أن درجات الحرارة المطلوبة لحدوث هذه التفاعلات التي تنتج يفترض أن لا تقل عن 194 درجة فهرنهايت (90 درجة مئوية).
وقد قال رئيس الفريق العلمي والمؤلف الرئيسي للورقة العلمية “سين هسو” Sean Hsu عن نتائج هذه الدراسات بأنه أمر مثير للغاية في أن نتمكن من استخدام هذه الحبوب الصغيرة من الصخور المقذوفة إلى الفضاء بواسطة السخانات المائية الموجودة في باطن القمر، لتكشف لنا عن حقيقة وظروف باطن القمر وخاصة المحيطات الجليدية الموجودة أسفل سطح القمر.
جهاز تحليل الغبار الكوني في المجس كاسيني (Cassini’s cosmic dust analyzer (CDA كشف عدة مرات عن وجود جزيئات صخرية ضئيلة غنية بالسيلكون، حتى قبل أن يدخل المجس مدار كوكب زحل سنة 2004م، وبعد زيادة التحاليل توصل العلماء إلى أن هذه الجسيمات هي “حبيبات السليكا” grains of silica وهي موجودة بوفرة في الرمال والكوارتز على الأرض، وكانت هنالك نسبة معينة من الحبوب الرملية كشف عنها المجس “كاسيني” صغيرة الحجم يتراوح حجمها ما بين 6-9 نانومتر، قال العلماء أنها على الأرجح ناتجة عن عملية جيولوجية خاصة بها، كما تتشكل حبوب السليكا على الأرض وفقا لشروط معينة مثل حدوث نشاط حراري مائي تحت ظروف معينة، وهي عندما تنخفض درجة حرارة “المياه القلوية” salty water أي المياه المالحة المشبعة بكمية كبيرة من السليكا بشكل كبير.
من جهة ثانية أجرى “هسو” مع مساعده الباحث “فرانك بوستبرغ” Frank Postberg وهو عضو الفريق العلمي التابع لكاسيني، تجارب مخبريه للتحقق من صحة نظرية النشاط المائي الحراري، من حيث أن حجم حبوب السليكا التي يفترض تشكلها والتي كشف عنها المجس كاسيني، وتوصلوا إلى أن هذه الشروط قد توجد في قاع بحار القمر انسيلادوس، حيث الماء الحار القادم من باطن القمر يختلط بالماء البارد.
كما تشير التحاليل أيضا إلى أن كمية صغيرة للغاية من جسيمات السليكا تنتقل إلى الأعلى بسرعة أعلى نسبيا من الماء القادم من مصادر قريبة من السخانات المائية الموجودة على سطح القمر، وعلى مسافة تقدر بحوالي 30 ميلا (50 كيلومترا) من القاع وحتى ابعد نقطة في الفضاء، بينما تستغرق الحبوب عدة شهور إلى عدة سنوات لقطع هذه المسافة.
أما الورقة الثانية التي نشرت مؤخرا حول نفس الدراسة في مجلة “أبحاث الجيوفيزياء” Geophysical Research فتقترح وجود نشاط “حراري مائي” hydrothermal activity باعتباره أحد المصادر المحتملة من مصدرين لغاز الميثان في سحابة من الغاز وجسيمات الجليد الذي يثور في المنطقة القطبية الجنوبية من القمر انسيلادوس، وهذا الاكتشاف هو نتيجة لنماذج كثيرة وضعها علماء من فرنسا وأمريكا لتفسير سبب وجود الميثان.
وجد الفريق العلمي انه في الضغط العالي المتوقع على بحار ومحيطات القمر انسيلادوس التي يطلق عليها “كلاثريتس” clathrates يمكن أن تعمل على تشكيل الجزيئات التي تحفظ الميثان داخل التركيب البلوري للجليد المائي، وتشير هذه النماذج إلى أن هذه العملية هي على درجة عالية من الدقة لتفسير وجود الميثان في المحيطات، وفي احد هذه السيناريوهات فان العمليات الحرارية المائية فائقة اشبع المحيطات بالميثان، وهذا يمكن أن يحدث إذا ما تم إنتاج غاز الميثان بشكل أسرع من تحويلها إلى “كلاثريتس” أما السيناريو الثاني هو أن مركبات الميثان الموجودة في المحيطات يتم سحبها على شكل أعمدة تتفجر وتطلق غاز الميثان الذي يرتفع للأعلى تماما مثل تشكيل الفقاعات في المشروبات الغازية.
وقد علق الباحث المشارك في الدراسة “الكسيس بوكوت” Alexis Bouquet وهو طالب دراسات عليا في جامعة تكساس، بأنهم لم يتوقعوا أن دراستهم “للكلاثريتس” في محيطات القمر انسيلادوس من شانه أن يؤدي بهم إلى فكرة جديدة وهي أن احد نشاط معين يمكن أن يؤدي إلى إنتاج غاز الميثان من العمليات الحرارية المائية.
وقد كان المجس كاسيني قد كشف عن وجود أول عمليات جيولوجية على قمر زحل انسيلادوس سنة 2005م مع دليل على وجود رذاذ من الجليد في القطب الجنوبي للقمر مع درجات حرارة أعلى من المتوقع على السطح هناك، وسرعان ما تم الكشف عن عمود شاهق مكون من جليد الماء والبخار والأملاح والمواد العضوية تصدر عن مناطق متكسرة في السطح، وفي سنة 2014 عن أن المحيط المائي يقع أسفل القشرة على عمق يبلغ حوالي 6 أميال (10 كيلومترات) بينما يبلغ سمك القشرة الجليدية للقمر ما بين 10-25 ميلا (30-40 كيلومترا).
إن هذه النتائج تدعم بقوة عملية نشوء الحياة على القمر انسيلادوس، فقد أشارت هذه الدراسات أن وجود الماء الحمضي في محيطات انسيلادوس والفتحات الحارة التي ينطلق منها الماء الدافئ، والماء السائل كافية لنشوء الحياة عليه، وفقا لعالم ناسا الشهير “مايكل روسيل” Michael Russell الذي أشار إلى انه من المحتمل أن تكون أول إشارة على وجود الحياة خارج الأرض موجودة في القمر انسيلادوس.
كما كشف علماء ناسا أن الفتحات الموجودة على القمر انسيلادوس مشابهة إلى حد كبير الفتحات الموجودة على “المدينة المفقودة” Lost City التي يعتبرها بعض الباحثين مهد الحياة، وهي عبارة عن حقل من فتحات الحرارة المائية التي اكتشفت لأول مرة سنة 2000م في قاع المحيط الأطلسي، وعلاوة على ذلك فان الحياة التي تتطور في المدينة المفقودة في معظمها كائنات حية دقيقة وبسيطة، وأشكال أخرى للحياة أكثر تعقيدا توجد أيضا في فتحات أخرى في قاع المحيط، ويعتقد بعض العلماء أيضا أن أشكال الحياة هذه بسيطة يمكن أن تكون قريبة من أحفاد لأول حياة وحيدة الخلية ظهرت على الأرض، فهل تكون هنالك حياة تطورت على القمر انسيلادوس كما هو الحال في المدينة المفقودة على الأرض؟


31-2