الخميس ٢٢ أبريل، ٢٠٢١

انضموا للملتقى المدرسي مع

الدكتور سلمان بن جبر آل ثاني

نجم سهيل يظهر في قطر معلنا انكسار حر الصيف واقتراب موسم المطر

الأربعاء ٢٤ ٢٠١٦

نجم سهيل يظهر في قطر معلنا انكسار حر الصيف واقتراب موسم المطر
 
falak-news-3
 
 
 
 
لعل من أشهر النجوم التي عرفها العرب في الجزيرة العربية وبلاد الشام هو نجم سهيل Canopus، كونه يرتبط بشكل كبير بتحديد موعد بداية سقوط المطر بعد فصل الصيف الحار عند ظهوره فجر يوم 24 أغسطس تقريبا من كل عام، حيث كانت العرب تنتظر ظهور سهيل في الأفق الجنوبي الشرقي فجرا قبل شروق الشمس بقليل، وعند ظهوره تنتظر العرب سقوط أمطار سبتمبر المهمة وانكسار حر الصيف، ومن هنا قالت العرب في الجاهلية في أسجاعها “إذا طلع سهيل برد الليل، وخيف السيل، وكان لأم الحوار الويل ” والحوار ولد الناقة، ولها الويل: أي يفصل عنها ولدها فتحن إليه وتتألم لفراقه.
ومن الأمور التي زادت من شهرة نجم سهيل ظهوره بلون أبيض لؤلؤي متلألئ ووحيدا في الأفق الجنوبي كألمع النجوم التي تظهر في تلك الناحية من السماء في هذه الفترة من السنة، ولذلك جذب سهيل الشعراء الذين تغنوا به وشبهوه بنبضات قلب المحب العاشق، نتيجة لتقلب لمعانه، وبوجنة المحب بسبب لونه المتلألئ، ولذلك قال الشاعر أبي العلاء المعري في سهيل:
وسهيل كوجنة الحب في اللون وقلب المحب في الخفقانوقد أطلقت العرب في الجاهلية عدة أسماء على سهيل مثل: الوزن، وسيم، لامع، النبيل، المجيد، من السهل الجارية، في سهولة وسلمية وتصغير لكلمة سهل. كما سمته العرب “البشير اليماني” أو “نجم اليمن” ويسمونه “سهيل اليماني” أيضاً وسبب نسبته إلى اليمن كونه يطلع من جهة الجنوب ويظهر مقابلاً للنجم القطبي الشمالي فهو يشير إلى جهة الجنوب.

وكانت العرب باديها وحاضرها تستبشر بطلوع نجم “سهيل” فنجم سهيل كمعظم نجوم السماء يختفي عن الأنظار فترة من السنة ثم يعود إلى الظهور مرة أخرى تبدأ في صبيحة الرابع والعشرين من أغسطس من كل عام وقد ذكر أباءنا وأجدادنا أن أول من يراه الأبل في ساعة الفجر عند شربها للماء، حيث تنعكس صورته في الماء فترا الأبل ترفع رأسها جهة الجنوب لترى ما ذلك الضوء وهذا من فطرة خلق الله سبحانه وتعالى. ثم يأخذ النجم بالتقدم يوماً بعد يوم إلى أن يشاهد في وسط السماء عند منتصف الليل في نهاية ديسمبر (ويتم رصده في المخيم الفلكي القطري سنويا خلال شهر يناير) ثم يظهر بعد غروب الشمس في الأفق الجنوبي الغربي مع نهاية مارس وبعدها يختفي في ضوء النهار حتى يطلع من جديد. في نهاية أغسطس من كل عام.

وقد اهتم أبناء الجزيرة العربية منذ القدم بمطالع النجوم والنظر فيها ومعرفه منازلها وذلك لارتباطها بحياتهم اليومية في الليل والنهار، فهم يعرفون من خلالها موعد دخول الفصول ووقت نزول الأمطار ووقت البرد والحر. ومن خلال مواعيد شروق النجوم يعرف أهل شبه الجزيرة العربية متى يحرثون ومتى يبذرون استعدادا لنزول المطر. وأهل البر يعرفون مواسم الرعي والسفر والصيد، وأهل البحر يعرفون موعد مواسم الصيد والسفر.

وكان العرب في الصحراء يسترشدون أيضاً بالنجم “سهيل” وهم يتوجهون صوب الجنوب ونجم “الجاه” نحو الشمال كما يدل نجم “سهيل” على القبلة في بلاد الشام.

وكانت العرب عند مراقبتهم طلوع سهيل يرون واحداً من نجمين معروفين في كوكبة السفينة ذاتها أحدهما “سهيل الوزن” والآخر “سهيل الحضار” يظهران قبله بأيام قليلة فيحلفون أنهم رأوا سهيلاً ولهذا فقد سميا “المحلفان” أو “المحنثان”.

وبطلوع نجم “سهيل” تنكسر حدة حرارة الصيف تدريجياً، فيتحر أهل قطر السحب ظهر كل يوم من الجهة الشمالية الغربية والتي دائما ما تمطر على أماكن من دون الأخرى ويكون مطرها غزير ويتساقط معه البرد من بين كل حين وآخر. ويبدأ الجو بالاعتدال ليلاً وبعد “سهيل” بـ 55-60 يوماً يدخل حساب “الوسم” وهي 52 يوماً إذا جاء فيها المطر فأنه يكون نافعاً بإذن الله للبر والبحر، أما في البر فأنه ينبت أنواعاً كثيرة من النباتات لا تنبت إلا في مطر هذا الوقت، وكذلك تنبت “الكمأة” أو “الفقع” كما هو معروف.

وأما فائدة المطر للبحر في فتره الوسم فانه ينتج “اللؤلؤ” بإذن الله في بطون المحار وسمي “بالوسم” لأنه يوسم الأرض بالخضرة والعشب والكلأ ويتكون من أربعة منازل -نجوم-هي “العواء” و”السماك” و”الغفر” و”الزبانا”.
وينقسم نجم “سهيل” إلى أربعة منازل تبدأ “بالطرفة” ومدتها 13يوماً ويصبح الجو لطيفاً في الليل مع بقاء الحرارة في ساعات النهار، ثم “الجبهة” وتمتد لمدة 13 يوماً وهي أول نجوم فصل الخريف ويبرد الليل ويتحسن الطقس نهاراً، تليها “الزبرة” وتستمر لمدة 13يوماً وفيها تزداد برودة الليل إلى درجة ينصح بعدم النوم تحت أديم السماء، ثم “الصرفة” وهي آخر نجوم “سهيل” وتمتد لمدة 13يوماً وسميت بذلك لانصراف الحر عند طلوعها.

ومع بداية طلوع “سهيل” يبدأ تقويم خاص لأهل الخليج يعرف “بالدرور” وبالرغم من الاختلاف في تحديد الموعد الدقيق لطلوع “سهيل” فهو بين 15 أغسطس إلى 28 أغسطس، وهذه الفروقات بسيطة حيث أنها لا تقلل من فعالية التقويم وتطابقها مع حالة الجو والبحر ومواعيد الزرع والحصاد. وهذا التقويم يقسم السنة ثلاثة أقسام كل قسم مائة يوم كل عشرة أيام منها يسمى “در” المائة الأولى مع منتصف أغسطس وفيها انكسار حدة الحر واعتدال الجو وهبوب الرياح النشطة.

ويصنف لمعان نجم “سهيل” من القدر الأول وهو ثاني ألمع نجوم السماء بعد نجم الشعرى اليمانية الشهير الذي ورد ذكره في القران الكريم سورة النجم (وأنه هو رب الشعرى)، حيث تقسم أقدار النجوم المرئية إلى ستة أقدار ألمعها النجوم من القدر الأول وأخفتها من القدر السادس. ويبعد عن الأرض ما يقارب 313 سنة ضوئية. وينتمي هذا النجم إلى كوكبة “السفينة” التي تقع في السماء الجنوبية وتتكون من “45” نجماً، وتقسم كوكبة السفينة إلى أربعة أقسام هي “الكوثل” أي مؤخرة السفينة، و”بيت الإبرة” و”الشراع” و”القاعدة” التي يقع ضمنها هذا النجم ويمكن معرفة “سهيل” على امتداد المثلث الذي رأسه “يد الجوزاء” في مجموعة الصياد، وضلعاه “الشعرى اليمانية” و “الشعرى الشامية” نجده في بقعة خالية من النجوم اللامعة.

تسمية النجوم الجنوبية والشمالية:
وحول تسمية النجوم الجنوبية والشمالية, وتسمية النجوم والبروج التي تقع إلى جنوب خط الاستواء بالنجوم أو البروج “الجنوبية” أو “اليمانية” نسبة إلى اليمن كما سماها عرب الجزيرة العربية في الماضي لأن اليمن تقع إلى الجنوب منهم, والنجوم التي تقع إلى الشمال من خط الاستواء السماوي تسمى النجوم “الشمالية” أو “الشامية” نسبة إلى بلاد الشام التي تقع إلى شمال الجزيرة العربية، وأن النجوم الجنوبية ترى من نصف الكرة الشمالي قريبة من الأفق الجنوبي للسماء فيُرى نجم “سهيل” في بلاد الشام والعراق وشمال الجزيرة العربية ومصر في الأفق الجنوبي وباتجاه الجنوب تماماً. بينما لا يرى نجم “سهيل” من تركيا أو أوروبا، ويشاهد في الصومال أو أستراليا في كبد السماء. وفي قطر يرى في الجنوب ويصبح في أعلى نقط له في السماء على ارتفاع 12 درجة من الأفق الجنوبي.

ولما كان النجم سهيل نجماً عملاقاً وجباراً، وأبيض اللون، ويعد ألمع النجوم في السماء بعد نجم “الشعرى اليمانية” فقد كان الفلكيون المسلمون في العصور الوسطى يحددون أتجاه القبلة بواسطة هذه المعلومات الجغرافية. حتى أن أحد الدراسات في الفلك الحديث أكدت أن نجم “سهيل” ونجوم “بنات نعش” لعبت دوراً كبيراً في تحديد اتجاهات القبلة في البلدان الإسلامية المترامية الأطراف في عهد النهضة الإسلامية.

كما اعتمدت وكالات الفضاء العالمية على نجم سهيل كمرجعية في الملاحة الفضائية للمركبات التي خرجت من حدود المجموعة الشمسية باتجاه الفضاء المجري بين النجوم، حيث يمكن اعتماد المركبات موقع سهيل لتحديد ومعرفة مكان المجموعة الشمسية ومكان المركبات نفسها أيضا داخل مجرتنا درب التبانة.

موقع نجم سهم مع أول كل فصل في السنة:
دائما ما يشير نجم سهيل إلى بداية فصول السنة ويمكننا رؤيته ومعرفة الفصل من موقعه في السماء. ففي بداية فصل الخريف والذي يصادف من 20-21 من سبتمبر يشرق يومها نجم سهيل في قطر في الساعة 2:26ص ويصبح في أعلى موقع له أي عند خط الزوال بعد شروق الشمس بربع ساعة. أما في 20-21 ديسمبر أي دخول فصل الشتاء فيشرق في الساعة 8:30م ويبلغ خط الزوال عند منتصف الليل ويرى بوضوح. ومع دخول فصل الربيع في 20-21 مارس فأنه يشرق 2:38م ويبلغ خط الزوال بعد صلاة المغرب بربع ساعة ويرى بوضوح حتى منتصف الليل. ثم يشرق مع دخول فصل الصيف في يوم 20-21 يونيو في الساعة 8:37ص ويختفي طيلة النهار تحت ضوء الشمس. ومن الثابت والمعروف أن نجم سهيل يشرق من الجهة الجنوبية الشرقية من الزاوية 151 درجة ويغرب على الزاوية 208 درجة جنوب غرب. ومن المتعارف عليه أن نجم سهيل يمكث فوق الأفق من شروقه وحتى غروبه 6:52 ساعات.

image_pdfimage_print