اكتشاف ثقب اسود عملاق تولد في المراحل الأولى من عمر الكون يحير علماء الفلك


25

 

نشرت مجلة “الطبيعة” Nature في عددها الصادر يوم 26 فبراير 2015 الماضي ورقة علمية جاء فيها أن مجموعة من علماء الفلك بقيادة فلكيين من جامعة “بكين” Peking University الصينية ومشاركة فلكيين من جامعة “أريزونا” University of Arizona الأمريكية تمكنوا من رصد ألمع “كوازار” quasar مدعوما بثقب اسود ضخم تولد بعد 900 مليون سنة فقط من الانفجار العظيم، وهو لغز محير فعلا حيث لا يعرف علماء الفلك كيف يمكن لهذا الثقب الأسود اللامع أن يتشكل في هذه الفترة المبكرة جدا من عمر الكون.
تعتبر عملية اكتشاف هذا الكوازار الذي يحمل الرمز التصنيفي SDSS J0100 + 2802 خطوة مهمة في فهم كيف تطورت الكوازارات المصدر الأقوى للطاقة والأشعة في الكون، والتي تولدت بعد 900 مليون سنة فقط من نشوء الكون الذي يقدر عمره بحوالي 13.7 بليون عام، وتقدر كتلة هذا الكوازار الذي يقبع الثقب الأسود العملاق في مركزه بحوالي 12 مليار مرة ضعف كتلة الشمس والمع من الشمس بحوالي 420 تريليون مرة!! ويبعد عن الأرض حوالي 12.8 بليون سنة ضوئية.
في تعليقه على نتائج هذه الدراسة قال الباحث المشارك في الدراسة البروفيسور “شياو فان” Xiaohui Fan عضو الاتحاد الفلكي الدولي وأستاذ الفلك في مرصد “ستوارد” Steward Observatory أن اكتشاف هذا الكوازار اللامع شكل لغزا كبيرا أمام الفريق العلمي فيما يخص نمو وتطور الثقوب السوداء في المراحل الأولى من عمر الكون، إذ لا نعرف كيف أن كوازارا لامعا وفي داخله ثقب اسود عملاق تكون في تلك الفترة المبكرة جدا من عمر الكون وهي الفترة التي لم تكن حتى النجوم والمجرات تكونت بالشكل التام؟! كما تساءل “فان” أيضا عن طبيعة العلاقة الموجودة بين الثقب الأسود العملاق والبيئة المحيطة به بما فيها المجرة المضيفة لهذا الكوازار الغريب.
يعتقد العلماء أن هذا الكوازار اللامع مع الثقب الأسود العملاق في مركزه يوفر مختبرا فريدا من نوعه لدراسة هذا التجمع الضخم للكتلة والمادة والطاقة الأضخم في الكون المنظور حتى الآن، خاصة أن العلماء حددوا فترة نهاية هذا الحدث الكوني المهم في فترة تسمى “عصر عودة التأين” epoch of reionization وهي الفترة الأولى من عمر الكون حينما انتهى الضوء القادم من الجيل الأول من المجرات والكوازارات وتسمى هذه الفترة “العصور الكونية المظلمة” cosmic dark ages وحولت الكون إلى الشكل الذي نراه به اليوم.
اكتشفت الكوازارات لأول مرة سنة 1963 وكانت أقوى مصدر للطاقة والأشعة من خارج مجرتنا درب التبانة، وظهر ثقب اسود عملاق في مركزها يعمل على امتصاص المادة الموجودة في مركزها، وبفضل الجيل الجديد من المراصد الفلكية الرقمية فقد اكتشف الفلكيون حوالي 200 ألف كوازارا، عمرها يصل إلى حوالي 0.7 مليار سنة بعد الانفجار العظيم أي نشوء الكون، ويقدر لمعانها بحوالي 420 تريليون مرة أكثر من لمعان الشمس.
يزيد لمعان الكوازار المكتشف حديثا بحوالي سبع مرات عن ابعد كوازار معروف (يبعد عن الأرض حوالي 13 مليار سنة ضوئية) ويوجد في مركزه ثقب اسود تصل كتلته إلى حوالي 12 مليار مرة أكبر من كتلة الشمس، ويحيد طيف الثقب الأسود مع الكوازار نحو الأحمر Red shift بشكل كبير بسبب بعده السحيق في الكون.
اكتشف الكوازار اللامع الجديد لأول مرة بواسطة تلسكوب “ليجيانغ” Lijiang Telescope الصيني ذو القطر 2.4 مترا ليكون أول كوازار يتم اكتشافه من خلال هذا الحجم الصغير من التلسكوبات وعلى هذه المسافة البعيدة جدا، كما سيسمح لهم هذا التلسكوب من قياس درجة الحرارة وحالة التأين والمعادن الموجودة بين المجرات المتوسطة العمر الواقعة ضمن حقبة (إعادة التأين).
أما البروفيسور ” شيويه-بينج وو ” Xue-Bing Wu أستاذ علم الفلك في جامعة “بكين” ومساعد مدير معهد “كافلي” للفلك والفيزياء الفلكية Kavli Institute of Astronomy and Astrophysics قال أن هذا الكوازار غريب جدا من نوعه، وهو مثل “المنارة” اللامعة في أقاصي الكون، وضوءه اللامع سيساعدنا بلا شك في التعرف على البدايات الأولى للكون.
ولكي يتعرف العلماء أكثر على طبيعة هذا الكوازار فقد قرروا تسليط الضوء على العمليات الفيزيائية التي كانت سبب نشوء اقرب الثقوب السوداء الضخمة، بالاعتماد على تلسكوب الفضاء الشهير “هابل” وتلسكوب “جاندرا” .