الفلكيون يدرسون المذنبات لمعرفة علاقتها بالماء والحياة على الأرض


22_1

 

يهتم علماء الفلك كثيرا بدراسة المذنبات لاعتقادهم أنها تحمل المفتاح الذي يمكن أن يقودنا إلى التعرف على أصل المجموعة الشمسية وأنها مصدر الماء الذي يغطي الأرض على شكل بحار ومحيطات، كما يعتقد أن المادة العضوية التي تعتبر أصل الحياة على الأرض جاءت من الفضاء عن طريق المذنبات أيضا.
ولكي يدرس الفلكيون ما يحدث في المذنبات وما يحدث في نواتها وقشرتها الخارجية وسلوك المادة العضوية في المختبر ودون الذهاب إلى المذنبات نفسها وعناء وتكاليف صناعة المجسات الفضائية، فقد صمموا آلة تشبه “صندوق الثلج” أطلقوا عليها اسم “هيمالايا” Himalaya حيث يعتقد الباحثون أن الثلج الهش المحيط بنواة المذنب عندما يكون بعيدا عن الشمس يكون على شكل حبيبات جليدية قاسية “بلورات” وعند اقتراب المذنب من الشمس تتحول هذه البلورات الجليدية إلى كربون يبقى معلقا على سطح نواة المذنب، وتكون النتيجة قشرة تحيط بالنواة مكونة من الغبار العضوي.
الباحث “مورثي جوديباتي” Murthy Gudipati من مختبر ناسا للدفع النفاث التابع لوكالة ناسا الفضائية وكاتب الورقة العلمية لمجلة “الكيمياء الفيزيائية” Physical Chemistry قال إن المذنبات تشبه الأيس كريم المقلي في العمق، وقشرة المذنب مكونة من الجليد البلوري crystalline ice بينما داخل نواة المذنب أبرد ومثقب، أما المادة العضوية فتكون في الخارج مثل طبقة الشوكولا الخارجية في الأيس كريم.
عرف الباحثون إن المادة الموجودة داخل المذنبات ناعمة وقشرة صلبة نوعا ما، وأصبح مجسي الفضاء الأمريكي “ديب امباكت” NASA’s Deep Impact والأوروبي “روزيتا” European Space Agency’s Rosetta spacecraft في أقرب نقطة لهما من المذنبات وجدت دليلا على إن أجزاء المذنب الداخلية هشة ومثقبة، وفي شهر نوفمبر 2014 الماضي انفصل المجس “فيليا” Philae عن المركبة الأم “روزيتا” وهبط على سطح نواة المذنب “67 بي/ شوريموف-جيراسيمينكو ” 67P/Churyumov-Gerasimenko وظهرت أن سطح أنوية المذنبات صلبة، والسواد المحيط بالنواة مثل المعطف مكونة من المادة العضوية والغبار، وهي نفس الملاحظات التي شوهدت سابقا من خلال المجس “ديب امباكت” الأمريكي.
في الدراسة المخبرية التي أجريت في الثلاجة “هيمالايا” تهدف إلى وضع نموذج يحاكي تبلور قشرة المذنب، وبدأت الدراسة في المادة غير المتبلورة أو تلك التي يسهل اختراقها، والجليد المقترح وجوده في المذنبات والأقمار الجليدية، وفي هذه الحالة فان جزيئات بخار الماء هي علامة الجليد في درجات الحرارة المتدنية جدا التي تصل إلى حوالي 30 كلفن (243 درجة مئوية تحت الصفر) وفي هذه البيئة الشديدة البرودة يتم خلط جزيئات الماء بشكل عشوائي مع جزيئات أخرى مثل المادة العضوية، ويكون الجليد مثل القطن كونه غير متبلور.
ويكون الجليد على الأرض على شكل بلورات، وذلك لان درجة الحرارة على الأرض غير باردة بما فيه الكفاية ليكون الجليد غير متبلور، حتى إن حفنة صغيرة من الثلوج الرخوة تكون في شكل بلوري، ولكنها تتكون من بلورات الثلج أصغر بكثير من تلك الموجودة في الثلج.
بعد ذلك عمل الباحثون على رفع درجة الحرارة في الثلاجة “هيمالايا” من 30 درجة كلفن (243 درجة مئوية تحت الصفر) إلى 150 درجة كلفن (123 درجة مئوية تحت الصفر) وكأنها محاكاة لاقتراب المذنب من الشمس وارتفاع درجة حرارة سطح نواته، حيث انغرس الجليد مع أحد أنواع المادة العضوية المسماة “الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات” polycyclic aromatic hydrocarbons التي تشاهد في جميع أنحاء الفضاء.
كانت النتيجة مفاجئة للباحثين، حيث التحمت الحلقات معا وطردوا عن مكان تواجد الجليد وتبلورت بعد ذلك، وهي أول ملاحظة مهمة عن إن الجزيئات تتجمع مع بعضها نتيجة لمرحلة انتقالية من الجليد، وهي نتيجة بالتأكيد مهمة في كيمياء وفيزياء الجليد.
ومع حدوث الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات في خليط الجليد، فقد كانت غرف جزيئات الماء التي تعمل على ربط الهياكل معبأة بإحكام أكثر من الجليد البلوري، وهو نتائج تتفق مع ما قبل وبعد ما تمت رؤيته في المختبر، وهي القشرة الصلبة مع المادة العضوية في الطرف العلوي من نواة المذنب، وهي نتائج مهمة توضح إن المذنبات ربما تكون العامل الرئيسي الذي جلب الحياة إلى الأرض، وان لم تكن هي الأساس فقد تكون المذنبات لعبت دورا مهما في هذا المجال.

22_2